سيد محمد طنطاوي
177
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
الإيمان إلى الكفر فهم لفساد قلوبهم ، وانطماس بصيرتهم واستيلاء الأهواء والمطامع على نفوسهم أصبح الإيمان لا استقرار له في قلوبهم بل يتلاعبون به ، ويبيعونه نظير عرض قليل من أعراض الدنيا ، وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - في سورة النساء إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ، ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا . ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّه لِيَغْفِرَ لَهُمْ ولا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا « 1 » . وقوله * ( وأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ) * أي الكاملون في الضلال ، البعيدون عن طريق الحق ، المستحقون لسخط اللَّه وعذابه . ثم صرح - سبحانه - ببيان عاقبة الذين يموتون على الكفر فقال - تعالى - : * ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهُمْ كُفَّارٌ ) * . أي استمروا على كفرهم وضلالهم حتى ماتوا على هذا الكفر والضلال فكأن الآيات الكريمة قد ذكرت لنا ثلاثة أصناف من الكافرين : قسم كان كافرا ثم تاب عن كفره توبة صادقة بأن آمن وعمل صالحا فقبل اللَّه توبته . وهذا القسم هو الذي استثناه اللَّه بقوله * ( إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّه غَفُورٌ رَحِيمٌ ) * . وقسم كان كافرا ثم تاب عن كفره توبة ليست صادقة ، فلم يقبلها اللَّه - تعالى - منه . وهو الذي قال اللَّه في شأنه في الآية السابقة * ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وأُولئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ) * . وقسم كان كافرا واستمر على كفره حتى مات عليه دون أن تحدث منه آية توبة ، وهو الذي أخبر عنه - سبحانه - في هذه الآية بقوله : * ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهُمْ كُفَّارٌ ) * . أي ماتوا على كفرهم دون أن يتوبوا منه . وقد بين اللَّه - تعالى - سوء مصيرهم بقوله : * ( فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَباً ولَوِ افْتَدى بِه ) * . أي أن هؤلاء الذين ماتوا على الكفر دون أن يتوبوا منه . لن يقبل اللَّه - تعالى - من أحدهم ما كان قد أنفقه في الدنيا ولو كان هذا المنفق ملء الأرض ذهبا ، لأن كفره قد أحبط أعماله وأفسدها كما قال - تعالى - وقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناه هَباءً مَنْثُوراً « 2 » . وكذلك لن يقبل اللَّه - تعالى - عن أحدهم فدية عن عقابه الشديد له بسبب موته على الكفر . ولو كان ما يفتدى به نفسه ملء الأرض ذهبا ، لأن اللَّه - تعالى - غنى عنه وعن فديته - مهما عظمت - وسيعاقبه على كفره بما يستحق من عقاب .
--> ( 1 ) سورة النساء آية 137 . ( 2 ) سورة الفرقان آية 23 .